زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

54

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

إن قلت : كلّ منهما مقيّد بالآخر ، فلا بد من الجمع بينهما . 18 - قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ كرّر اصْطَفاكِ لأن الاصطفاء الأول للعبادة التي هي خدمة " بيت المقدس " وتخصيص مريم بقبولها النّذر مع كونها أنثى ، والاصطفاء الثاني لولادة عيسى . 19 - قوله تعالى : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ قال هنا : وَلَدٌ وفي مريم : غُلامٌ . لأن ذكر المسيح تقدّم هنا وهو ولدها ، وفي مريم تقدّم ذكر الغلام . 20 - قوله تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ . إن قلت : كيف نفى وجود النبي صلى اللّه عليه وسلّم في زمن مريم ، مع أنه معلوم عندهم ، وترك ما كانوا يتوهمونه من استماعه ذلك الخبر من حفّاظه ؟ قلت : لأنهم يعلمون أنه صلى اللّه عليه وسلّم أميّ لا يقرأ ولا يكتب ، وإنما كانوا منكرين للوحي ، فنفى اللّه الوجود الذي هو في غاية الاستحالة ، على وجه التهكّم بالمنكرين للوحي ، مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية . 21 - قوله تعالى : اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . فيه التفات إذ القياس : " ابنك " . فإن قلت : كيف قال ابْنُ مَرْيَمَ والخطاب معها ، وهي تعلم أنّ الولد الذي بشّرت به يكون ابنها ؟ قلت : لأن النّاس ينسبون إلى الآباء ، لا إلى الأمهات ، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب ، فلا ينسب إلا إلى أمه . 22 - قوله تعالى : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ . إن قلت : أيّ معجزة لعيسى عليه السلام في تكليمه النّاس كهلا ؟ قلت : معناه تكلّمه في الحالتين بكلام الأنبياء ، من غير تفاوت بين الطفولة والكهولة التي يستحكم فيها العقل وتنبّأ فيها الأنبياء . وقال الزجّاج : هذا أخرج مخرج البشارة لمريم ، ببقاء " عيسى " إلى وقت الكهولة . 23 - قوله تعالى : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ